محمد فاروق

هل نستطيع أن ننفصل عن ذواتنا وخلفياتنا عند تكوين آراءنا ومواقفنا إزاء أي قضية، هل يستطيع المسلم المتحمس لتطبيق الشريعة أن ينسى ذاته المسلمة أو أن دينه هو الحق والأفضل وهو يطالب بتطبيق الشريعة، هل يستطيع المسيحي أن يتقبل تطبيق هذه الشريعة في وطنه وينسى ذاته المسيحية أو ما تعرض له من ظلم وقهر واضطهاد بسبب هذه الشريعة، أو تفسيرات البشر لها، كيف ينسى ذاته المسيحية ويصدق المسلم الذي يدعي أن شريعته ستعطي له كافة الحقوق؟ ، هل يستطيع الكردي أن ينسى هويته وما تعرض له من ظلم وهو يطالب بحذف كلمة “عربية” من إسم سوريا، هل يتفهم أن الهوية لا تتحدد بالإسم؟، هل يتفهم خوف العربي على هويته في ظل هزيمتنا الحضارية المتجسدة في فلسطين وفي تكالب القوى الاستعمارية على أوطاننا؟، وفي المقابل لماذا لا ينسى العربي أن هوية الدولة لا تتحدد بالإسم أيضا، هل يستطيع العربي أن ينسى كونه عربيا ويتفهم مطلب الكردي وما تعرض له من ظلم منذ سايس بيكو دون تخوينه واتهامه بالطائفية؟ كيف نتخلى عن تحيزاتنا وذواتنا عند تكوين آراءنا في أي قضية وأين الحق والحقيقة، أين الحق والحقيقة؟؟

إدوارد سعيد

لم يصبح الإسلام رمزا للرعب والخراب وجحافل الهمجيين الشيطانية الكريهة بلا سبب، فلقد كان يمثل لأوروبا صدمة نفسية متصلة الحلقات، إذ كان ” الخطر العثماني” يكمن حتى نهاية القرن السابع عشر بجوار أوروبا ويمثل خطرا دائما على الحضارة المسيحية بأسرها، وعلى مر الزمن تمكنت من أن تندرج هذا الخطر ومأثوراته التقليدية، وأحداثه العظمى ةشخصياته البارزة ومناقبه ومثالبه في صلب حياتها. ويحكي لنا صموئيل تشو في دراسته الكلاسيكية الهلال والوردة ” أن الرجل ذا التعليم والذكاء المتوسط” في عصر النهضة وإنجلترا وحدها، كان يعرف خير المعرفة ويستطيع أن يشهد على مسارح لندن عددا كبيرا نسبيا من الأحداث المفصلة في تاريخ الإسلام العثماني وانتهاكه لأوروبا المسيحية. والذي يهمنا هو أنه ما بقي شائعا عن الإسلام كان بالضرورة صورة مخففة لتلك القوى العظمى والخطرة التي كان يرمز لها في أوروبا. وعلى نحو ما فعل الروائي وولتر سكوط في تصويره للبدو الرُحّل، كان تصوير أوروبا للمسلم العثماني أو العربي دائما محاولة للتحكم في الشرق المهيب. ويصدق ذلك إلى حد ما على أساليب العلماء المستشرقين المحدثين فليس موضوعهم هو الشرق بذاته بقدر ما هو التعريف بالشرق، فإذا تسنت معرفته أصبح أقل إثارة للخوف لدى جمهور القراء الغربيين.

 

 

وليس إضفاء الألفة على هذا النحو على كل ما هو غريب أو عجيب مدعاة للخلاف أو الذم بصورة خاصة، فهو يحدث قطعا ما بين جميع الثقافات وبين جميع البشر. ولكن مرماي تأكيد هذه الحقيقة وهي أن المستشرق، شأنه في هذا الشأن شأن أي فرد في الغرب الأوروبي فكر في أمر الشرق أو زاره، قد أجرى ” هذه العملية الذهنية”. ولكن الأهم من ذلك هو المجموعة المحدودة من المفردات والصور التي تفرض نفسها جراء ذلك. وتصوير الإسلام في الغرب شاهد على ذلك، على نحو ما بين نورمان دانييل في دراسته الرائعة الإسلام والغرب. وكان من القيود التي قيدت تفكير المفكرين المسيحيين الذين حاولوا فهم الإسلام قيد القياس والتشبيه، فلما كان المسيح أساس الدين المسيحي، افترض هؤلاء- وكانوا مخطئين كل الخطأ- أن محمدا يمثل للإسلام ما يمثله المسيح للمسيحية، ومن هناك أطلقوا على الإسلام التسمية الجدلية ” المحمدية” وألصقوا بمحمد ( ص) صفة ” الدجال” بصورة تلقائية. ومن أمثال هذه المفاهيم الخاطئة وغيرها ” تشكلت حلقة لم تنكسر في يوم من الأيام بالانفتاح على الخارج”… إذ اعتبروا المفهوم المسيحي عن الإسلام متكامل وكاف بذاته” وأصبح الإسلام صورة – وهي الكلمة التي أتى بها دانييل، وتترتب عليها في نظري دلالات مهمة للاستشراق بصفة عامة- إذ لم تعد وظيفتها تكمن في تمثيل الإسلام في ذاته بقدر تمثيله لعيون المسيحيين في العصور الوسطى. يقول دانييل :

كان الإتجاه الثابت إلى إهمال ما يعنيه القرآن، أو ما يرى المسلمون أن يعنيه، وتجاهل فكر المسلمين وأفعالهم في شتى الظروف، يعني ضمنا تقديم المذهب القرآني وغيره من المذاهب الإسلامية في شكل قادر على إقناع المسيحيين  ;   وازدادت احتمالات تقبل الأشكال التي يزداد تطرفها باطراد مع زيادة ابتعاد الكُتُّاب والجمهور عن بلاد المسلمين، بل كانوا يجدون صعوبة كبيرة في تصديق ما يقول المسلمون إنهم يؤمنون بع، فلقد نشأت صورة مسيحية ( للإسلام) وكان الكتاب لا يتخلون إلا عن اقل القليل من تفاصيلها ) حتى تحت ضغط الحقائق) ولكنهم لم يكونوا يتخلّون مطلقا عن إطارها. وكنت تلمح بطبيعة الحال ظلال اختلافات، لكنها دائما تدور في إطار مشترك. وجميع التصويبات التي كانوا يقومون بها لزيادة الدقة لم تكن تزيد عن دفاع عما أدركوا أخيرا أنه مُعَرَّض للهدم، أي أنها كانت بمثابة تدعيم لبناء متصدع لا يمكن هدمه، حتى وإن كانت الغاية إعادة بنائه.

وقد تدعمت هذه الصورة الصارمة للإسلام بعدة سبل من بينها، إبان العصور الوسطى وفي بداية عصر النهضة- ضروب بالغة التنوع من الشعر، والمجادلات العلمية، والخرافات الشعبية. وبحلول هذه الفترة كان الشرق الأدنى، يكاد يمثل جزءا من صورة العالم الشائعة في عيون أبناء المسيحية اللاتينية، على نحو ما نرى في أنشودة رولان التي تصور دين المسلمين باعتباره يضم محمد (ص)، وأبوللو، الرب الوثني الإغريقي، وبحلول منتصف القرن الخامس عشر، على نحو ما بين ر.و. سَذِرْنْ في كتابه الرائع، اتضح للمفكرين الاوروبيين الجادين ” أنه لابد من اتخاذ إجراء ما بصدد الإسلام” الذي كان قد قلب الموازين بوصول عسكر المسلمين أنفسهم على شرق أوروبا. ويَقٌصُّ سَذِرْنْ قصة مثيرة وقعت ما بين عامي 1450 و1460 عندما حاول أربعة من العلماء، هم جون السيجوقي، ونيكولاس القوصي، وجان جيرمان، وإينياس سيلفيوس ( بيوس الثاني)  التصدي للإسلام خلال ” مؤتمر” خاص. كان الأول صاحب الفكرة التي تقضي بعقد مؤتمر ، مع الإسلام” يحاول  فيه المسيحيون تحويل المسلمين جُملة عن عقيدتهم. ” كان يرى المؤتمر أداة لها وظيفتها السياسية إلى جانب وظيفتها الدينية الخالصة، وبتعبير تستجيب له صدور المحدثين صاح قائلا إن المؤتمر حتى لو استمر عشر سنين فسوف يكون أقل تكلفة وأقل ضررا من الحرب” لم يتوصل الأربعة إلى اتفاق ولكن الحادثة بالغة الأهمية لكونها محاولة لوذعية – تدخل في إطار المحاولات الأوروبية من القديس بيد إلى مارتن لوثر – لتقديم صورة تمثل الشرق في عيون أوروبا والجمع بين الشرق وأوربا معا على المسرح في شكل له دلالته، والقصد منه أن يشرح المسيحيون للمسلمين أن الإسلام صورة مُضَلَّلَةٌ من المسيحية. وفيما يلي ما انتهي إليه سَذِرْنْ : 

وأبرز ما يتجلى لنا هو عجز أي نظام من هذه النظم الفكرية { المسيحية الأوروبية} عن تقديم تفسير مقنع ومُرض للظاهرة التي تحاول تفسيرها {الإسلام } – بل وعجزها إلى درجة أكبر عن التأثير بصورة حاسمة في مجرى الأحداث في دنيا الواقع. فعلى المستوى العملي، لم يكتب للأحداث أن تحقق النجاح المُدوِّي أو الفشل الذريع على النحو الذي تنبأ به أذكى المراقبين، وربما يكون جديرا بالملاحظة أن الأحداث حققت أكبر نجاح ممكن عندما كان أفضل القضاة يتوقعون ، بثقة، نهاية سعيدة. فهل تحقق أي تقدم { في المعرفة المسيحية بالإسلام} لابد أن أعرب عن اقتناعي بوجود هذا التقدم. وحتى لو كان حل المشكلة قد ظل يستعصي على الظهور للرائي، فإن صوغ المشكلة أصبح يبتعد عن التبسيط، وأكثر عقلانية، وأكثر ارتباطا بالخبرة… والباحثون الذين بذلوا الجهد لمعالجة مشكلة الإسلام في العصور الوسطى أخفقوا في العثور على الحل الذي كانوا يطلبونه ويرغبون فيه، ولكنهم أنشأوا عادات في  التفكير وعادات على الفهم لا تزال جديرة بالنجاح لو توافرت لغيرهم وفي مجالات أخرى.

 

ويخصص سَذِرْنْ الجانب الأكبر من تحليله، هنا وفي أبواب تاريخه الموجز للآراء الغربية في الإسلام، لإيضاح أن الجهل الغربي هو الذي ازداد في النهاية تنقيحا وبعدا عن البساطة، لا أن قدرا من المعرفة الإيجابية قد ازداد حجما ودقة. فالأكاذيب لها منطقها الخاص وجدليتها الخاصة في النمو أو التدهور. فلقد أهيلت على شخصية النبي محمد ( ص) في العصور الوسطى مجموعة من الصفات التي تتفق مع ” شخصية كل نبي {في القرن الثاني عشر } من أنبياء ما يسمى بالروح الحرة وهم الذين ظهروا فعلا في أوروبا وكان لهم من صدقوهم ومن اتبعوهم” وعلى غرار ذلك فلما كان ينظر إلى محمد (ص) باعتباره نبيا ينشر تنزيلا زائفا، فلقد أصبح ايضا جماع صور الفساد، وهي النظرة المستقاة منطقيا، من اعتباره دجالا. وهكذا اكتسب الشرق من يمثلونه، إن صح هذا التعبير،وصورا تمثله، وازداد كل منهما تجسيدا عما سبقه، كما زاد اتساقها الداخلي مع بعض المقتضيات الغربية. فكأنما كانت أوروبا، حالما استقر رأيها بأن الشرق يمثل المكان المناسب لتجسيد اللانهائي في شكل محدد، عاجزة عن التوقف عن ممارسة ذلك، فأصبح الشرق والشرقي عربيا كان أو إسلاميا أو هنديا أو صينيا أو سوى ذلك صورا شبه مجسدة أو متكررة لكيان أصلي عظيم ( المسيح ، أوروبا، الغرب) وهو الكيان الذي اُفترض أنها تحاكيه. ولم يتغير على مر الزمن إلا كصدر هذه الأفكار الغربية، والنرجسية إلى حد ما، عن الشرق دون أن يتغير طابعها. وهكذا انتشر الاعتقد في القرنين الثاني عشر والثالث عشر بأن بلاد العرب ” تقع على حافة العالم المسيحي، وأنها ملجأ طبيعي للزنادقة الخارجين على القانون ” وأن محمد( ص) كان مرتدا ماكرا، وكان القرن الثاني عشر يرى أن الباحث المستشرق، أي المتخصص العالم كان من يُركن إليه لإيضاح أن الإسلام لا يزيد في الواقع عن بدعة إيروسية من الدرجة الثانية. 

 

وهكذا فإن وصفنا المبدئي للاستشراق باعتباره مجالا علميا يكتسب الآن شكلا مجسدا جديدا. فكثيرا ما يكون المجال حيزا مغلقا. وفكرة التمثيل فكرة مسرحية، وبلدان المشرق هي خشبة المسرح التي يُحبسُ فيها الشرق كله، وسوف تظهر على الخشبة عدة شخصيات ينحصر دورها في تمثيل الكيان الكُلي الأكبر الذي خرجت منه.  وهكذا فإن الشرق سوف يبدو مكان مغلقا أو خشبة مسرح ملتصقة بأوروبا، لا امتداد غير محدود خارج العالم الأوروبي المألوف. والمستشرق لا يزيد عن متخصص في معرفة خاصة، وتعتبر أوروبا بأسرها مسئولة عنها، على نحو ما يعتبر الجمهور، تاريخيا وثقافيا، مسئولا عن المسرحيات التي يؤلفها كاتب مسرح ( ومستجيبا لها). وفي أعماق هذا المسرح الشرقي توجد ذخيرة ثقافية مذهلة يوحي كل عنصر مفرد من عناصرها بعالم يتميز بثراء خرافي : أبو الهول، وكليوباترا، وجنة عدن، وطروادة، وسدوم وعمورة، وعشتروت، وإيزيس وأوزيريس، وسبأ، وبابل، والجن، والمجوس، ونيوى،وبريجستون، ومحمد، وعناصر أخرى كثيرة.ووجدت المخيلة الأوروبية في هذه الذخيرة غذاءً لا يكاد ينفذ، إذ حدث ما بين العصور الوسطى والقرن الثامن عشر ان كان بعض كبار الكُتُّاب مثل أريوسطو، وميلتون، ومارلو، وتاسو، وشيكسبير، وثيربانتيس ( سرفانتيس) ومثل مؤلفي أنشودة رولان وقصيدة السيد ينهلون من هذه الذخيرة فيما يؤلفونه بأساليب أدت إلى تحديد وتأكيد أشكال الصور والشعرية والأفكار والشخصيات التي تعمرها. أضف إلى ذلك أن قدرًا كبيرًا من الكتابات التي كانت تعتبر بحوثا استشراقية متخصصة في أوروبا كان يُسَخِّر الأساطير الأيديولوجية لخدمته، حتى حين كانت الحقيقة تتقدم بخطى حقيقية فيما يبدو.

الاستشراق : المفاهيم الغربية للشرق

تأليف : إدوارد سعيد

ترجمة : محمد عناني

إدوارد سعيد

بدأ بلفور بأن ذكر المجلس بالسؤال الذي وجهه إليه ج.م. روبرتسون، عضو البرلمان عن دائرة تاينسايد، فطرح السؤال من جديد وهو بأي حق تتخذون مظاهر الاستعلاء والتفوق إزاء الشعوب التي اخترتم أن تسموها “شرقية” ، كان اختيار لفظ شرقية اختيارا لا مناص منه، فلقد استخدمها الشاعر تشوسر، في القرن الرابع عشر، ومعه ماندفل، كاتب كتب الرحلات ومن بعدها شكسبير ودرايدن وبوب وبايرون. وكانت اللفظة تعني آسيا والشرق جغرافيا وأخلاقيا وثقافيا. وكان المرء يستطيع أن يتكلم في أوروبا عن الشخصية الشرقية، أو الاستبداد الشرقي أو عن أسلوب الإنتاج الشرقي فيفهمه السامع. وكان ماركس قد استخدم الكلمة، وها هو بلفور يستخدمها، وكان اختياره مفهوما ولا يستلزم تعليق على الإطلاق :

 

 

أنا لا أتخذ موقف التفوق. ولكنني أسأل روبرتسون أو أي شخص آخر لديه معرفة بالتاريخ مهما تكن سطحية، إن كان قادرا على المواجهة المباشرة للحقائق التي لابد للسياسي التعامل معها بشكل يومي في موقع السيادة تجاه أجناس عظيمة مثل سكان مصر وبلدان الشرق. إننا نعرف حضارة مصر خيرا مما نعرف حضارة أي بلد آخر. ونعرف تاريخها السحيق، بل نحيط بها إحاطة أوثق وأشمل. إنها تتجاوز نطاق المحدود لتاريخ الجنس البشري الذي ننتمي إليه، فهو يضيع في فترة ما قبل التاريخ في الوقت الذي كانت الحضارة المصرية قد تخطت عهد الشباب انظروا إلى جميع البلدان الشرقية. لا تتحدثوا عن تفوق أو دونية.

.


 آرثر جيمس بلفور

إن ملاحظاته تدور حول محورين كبيرين – هنا وفيما يتلو هذا الكلام- وهما المعرفة والسلطة، وهما محور الفيسلوف فرانسيس بيكون. وهكذا فعندما يبرر بلفور ضرورة الاحتلال البريطاني لمصر، ترتبط السيادة في تفكيره بمعرفتنا ” نحن” لا بالقوة العسكرية والاقتصادية بالدرجة الأولى. والمعرفة تعني لبلفور استقصاء مسار حضارة ما من نشأتها وازدهارها إلى ذبولها- وتعني أيضا، بطبيعة الحال قدرتنا على ذلك، والمعرفة تعني الارتفاع على اللحظة الحاضرة، وتجاوز الذات إلى الأجنبي والبعيد. وموضوع هذه المعرفة معرض للفحص الدقيق لضعف في طبيعته، وهذا الموضوع يعتبر ” حقيقة” ثابتة، وحتى لو تطور وحول نفسه على نحو ما تفعل الحضارات في أحيان كثيرة، فلابد أن يظل على ثباته الجوهري أو الوجودي. وامتلاك هذه المعرفة معناه السيطرة عليه أو فرض السلطة عليه. والسلطة هنا تعني لنا ” نحن” أن ننكر استقلال هذا “”الشيء” – وهو البلد الشرقي هنا- ما دمنا نعرفه وما دام يوجد، معنى من المعاني/ كما نعرفه، أي أن المعرفة البريطانية بمصر هي مصر بالنسبة لبلفور وتبعات هذه المعرفة تجعل أي مسألة سواها، مثل مسألة التفوق والدونية، تبدو تافهة، ولا ينكر بلفور إطلاقا تفوق بريطانيا على مصر بل هو يعتبرها مسألة مُسَلَّما بها في سياق للآثار المترتبة على المعرفة :-  

انظروا أولا إلى حقائق القضية: إن الأمم الغربية ما إن يبدأ ظهورها في التاريخ حتى تظهر بدايات قدرتهم على الحكم الذاتي… وهي القدرة الجديرة بالتقدير في ذاتها..ثم انظروا إلى تاريخ الشرقيين برمته فيما يسمى بصفة عامة الشرق، لن تجدوا تنبئ عن الحكم الذاتي إطلاقا. إذ مرت على قرونهم العظمى- وقد كانت بالغة العظمة- في ظل الحكومات الاستبدادية وحكم المطلق- كما كانت كل اسهامتهم الحضارية العظمى – ولقد كانت حقا عظمى – في ظل ذلك للون من الحكومة. لقد تلا الفاتحون بعضهم البعض وجاءت سيطرة إثر سيطرة، لكنك لن تجد في شتى دورات الأقدار والحظوظ مطلقا أمة من تلك الأمم تنشئ من تلقاء ذاتها ما نسميه نحن، من وجهة نظر غربية، الحكومة الذاتية. هذه هي الحقيقة  ليست المسألة إذن مسألة تفوق أو دونية. وأتصور أن الحكيم الشرقي الصادق سوف يقول إن الحكومة العاملة لتي اضطلعنا بها في مصر، وغيرها من البلدان لا تمثل عملا جديرا بالفيلسوف- إنها العمل الحقير أو العمل الأدني، اللازم لمواجهة الجهد الضروري.

 

ولما كانت هذه الحقائق حقائق، يجد بلفور أن عليه أن ينتقل للقسم الثاني من حجته قائلا :-

هل تعود ممارسة هذه الحكومة المطلقة من جانبنا بالخير على هذه الأمم العظيمة والتي أعترف بعظمتها، أعتقد أنها تعود بالخير عليها، وأعتقد أن الخبرة قد أثبتت أنها تمتعت في ظلها بحكومات أفضل كثيرا مما شهدته على امتداد تاريخ العالم كله، وهي ليست مفيدة وحدها، ولكنها لاشك مفيدة للغرب المتحضر برمته..لسنا في مصر من أجل المصريين فقط، وإن كنا هنا من أجلهم، فنحن هناك أيضا من أجل أوروبا كلها.


 

ولا يقدم بلفور أي أدلة على أن المصريين و ” الأجناس التي نتعامل معها” تُقدّر أو حتى تفهم الخير الذي يعود عليها من الاحتلال الاستعماري، لكنه لا يخطر على بال بلفور أن يطلب من المصري الحديث أن يتحدث بنفسه، ربما لأن المصري الذي سيتكلم سيكون ، على الأرجح” ذلك المشاغب الذي يثير الصعوبات” لا المواطن الصالح الذي يتجاهل “صعوبات” السيطرة الأجنبية. وهكذا بعد أن حسم بلفور المشكلات الأخلاقية، يبدأ في التصدي للمشكلات العملية قائلا ” إذا كانت مهمتنا أن نحكم ، سواء لقينا الامتنان أو الجحود، وسواء تذكر الناس حقا وصدقا ما فقدوه فاستراحوا منه بفضلنا أو نسوا ذلك  { وبلفور لا يشير ضمنا إلى فقدان استقلال مصر في إطار ما فقده الناس، أو تأجيل الاستقرار لأجل غير مسمى  } وسواء أدركوا بوضوح أو لم يدركوا جميع الفوائد التي عادت عليهم بفضلنا  ;   أقول إذا كان ذلك واجبنا فكيف ينبغي أداؤه؟” إن إنجلترا تُصَدّر ” أفضل ما لدينا إلى تلك البلدان” وها هم المديرون الذي ينكرون ذواتهم ويقومون بعملهم” وسط عشرات الآلاف ممن يعتنقون دينا آخر وينتمون إلى جنس آخر ولهم نظام  مختلفة وظروف حياة مختلفة”. وأما ما يمكنهم  من أداء مهمة الحكم فهو إحساسهم بأنهم يتمتعون بتأييد الحكومة في وطنهم/ وأنها تظاهر ما يفعلون لكنه


ما أن يخامر السكان من أبناء البلد الإحساس الغريزي بأن الذي عليهم أن يتعاملوا معهم لا يتمتعون بمساندة قوة البلد الذي أرسلهم هناك بسلطته وتعاطفه ودعمه الكامل والسخي، حتى يتعذر على أولئك السكان إتباع النظام الذي يعتبر أساس حضارتهم، مثلما تتعذر على موظفينا ممارسة أي سلطة أو قوة ، وهي الأساس الحق لكل ما يفعلونه لمصلحة الذي أًرسلوا للإقامة بينهم

والمنطق الذي يستخدمه بلفور منطق طريف، على الأقل لكونه متسقا مع المقدمات التي بني عليها خطابه كله. فهو يقول أن إنجلترا تعرف مصر، ومصر هي ما تعرفه إنجلترا، وإنجلترا تعرف أن مصر لا تستطيع أن تحكم نفسها، وإنجلترا تؤكد بذلك احتلال مصر، أما بالنسبة للمصريين فإن مصر هي البلد الذي احتلته إنجلترا وتحكمه الآن ومن ثم فإن الاحتلال الأجنبي يصبح ” الأساس الحق” للحضارة المصرية المعاصرة، ومصر تحتاج بل وتصر على طلب الاحتلال البريطاني؟ لكنه إذا تعرضت الصلة الحميمة الخاصة بين الحاكم والمحكوم لتعكير صفوها بسبب شكوك البرلمان في إنجلترا فإن” سلطة من يعتبرون”… الجنس المسيطر – وأعتقد أنه يجب أن يظلوا الجنس المسيطر- سوف تتقوض”. ولا تقتصر النتائج على فرض الهيبة الإنجليزية، ” بل سوف يصبح من المحال على حفنة من المسئولين البريطانيين- مهما تكن مواهبهم وشمائلهم وعبقريتهم – أن يضطلعوا بالمهمة العظمة في مصر- وهي المهمة التي كلفناهم بها وفرضها عليهم العالم المتحضر

……”.

ومصر مثال ينطبق عليه ما أقول انطباقا رائعا، كما كان بلفور يعي تماما مدى ما يتمتع به من حق أن يتلكم عن مصر الحديثة، بصفته عضوا في برلمان بلده باسم إنجلترا  وباسم الغرب وباسم الحضارة الغربية. فلم تكن مصر مجرد مستعمرة أخرى، بل كانت نموذجا يبرر الإمبريالية الغربية/ إذ إنها كانت ، حتى قامت إنجلترا بضمها إليها/ لا تكاد تزيد عن نموذج التخلف الشرقي الذي يرج ذكره في الدراسات الأكاديمية وقد كتب لها أن تصبح نموذجا لانتصار المعرفة والسلطة الإنجليزية. وفي الفترة من 1882 وهو العام الذي احتلت فيه انجلترا مصر وقمعت الثورة الوطنية التي قادها الزعيم أحمد عرابي ، إلى عام 1907 كان ممثل انجلترا في مصر، أو سيد مصر، هو إيفلينج بيرنج ( الذي اشتهر باسم “”أوفر بيرينج”” أي المتغطرس) أو اللورد كرومر. وفي يوم 30 يوليو 1907 كان بلفور هو الذي أعرب في مجلس العموم البريطاني عن تأييده لمنح اللورد كرومر جائزة تقاعد تبلغ خمسين ألف جنيه، مكافأة له على ما فعله في مصر، وقال بلفور إن كرومر صنع مصر :

كل شيء لمسه حالفه النجاح.. ولقد أدت خدمات اللورد كرومر على مدار ربع قرن مضى من أدنى مهاوي الانحطاط الاجتماعي والاقتصادي حتى أصبحت مصر تنفرد اليوم بين الأمم الشرقية انفرادا مطلقا، فيما أعتقد بازدهارها المالي والأخلاقي

أما أسلوب قياس ازدهار مصر الأخلاقي فلم يحاول بلفور تبيانه، إذ كانت الصادرات البريطانية إلى مصر، تعادل الصادرات البريطانية إلى القارة الأفريقية بأسرها ولا شك أن ذلك يستدل منه على لون الازدهار المالي لمصر وانجلترا معا ( ولو بصورة غير متكافئة لحد ما) وأما المهم حقا فكان تلك الوصاية الغربية الشاملة والمتصلة الحليفات على بلد شرقي / ابتداء بالباحثين والمبشرين ورجال الأعمال والجنود والمعمين الذين مهدوا للاحتلال ثم نفذوه، وانتهاء بكبار الموظفين مثل كرومر وبلفور، الذين رأوا أنهم يعولون ويوجهون- بل وأحيانا يفرضون- نهضة مصر فينقلونها من مرحلة التجاهل الشرقي إلى مرحلة المكانة البارزة التي تنفرد بها في الحاضر.

الاستشراق : المفاهيم الغربية للشرق

تأليف إدوارد سعيد

ترجمة محمد عناني

 

 

 

  
من هذه الناحية  يكمن الفارق الأساسي بين جيش الباشا وجيش نابليون في أن الأول قد نشأ قبل الثورة البرجوازية بينما تشكل الآخر بعدها إن هذا الفارق هو الذي يفسر واقع أن الجنود جين كانوا يحاربون من أجل (( مصر)) في جيش محمد علي كانوا يسيرون تحت رايات نقش عليها اسم الباشا، بينما كان الجنود الفرنسيون حين كانوا يحاربون أساسا حروب نابليون، لا حروب الثورة كانوا يقاتلون تحت رايات الثورة المثلثة الألوان. (( ربما سعى الآلاف من الشباب الفرنسيين لتجنب الخدمة تحت أعلام الجيش، ولكن طالما كانت الرايات مثلثة الألوان وطالما ظلت تعلن الحرية والمساواة والإخاء، كانوا أولئك الذين ظلوا مهتمين يستطيعون أن يلتمسوا لأنفسهم العزاء بالإيمان بأن الثورة ما زالت حية. ولكن هذا الإدعاء بخوض حرب وطنية لم تجر وحتى محاولة للتظاهر به كعزاء عن إرسال آلاف مؤلفة من الرجال المصريين إلى حتفهم من أجل محمد علي وأسرته.

ومع ذلك، ربما يقال إن جيش محمد علي كان وسيلة للترويج لفكرة الوطنية المصرية لو عن غير قصد. وقد حدث ذلك بالفعل. ولكن ليس لأن الباشا أو أيا من كبار قادته العسكريين اعتبروا حروبهم المختلفة ((وطنية)) فكما بينا من قبل ، كان الجانب الأّسري لهذه المواجهات العسكرية المتتباعة واضحا لكل ذي عينيين، ولم يكن إبراهيم بالرغم من كثرة الاستشهاد بعواطفه (( المصرية)) يشك في ذلك بأي درجة. وفي ذات الوقت كان الجنود- الفلاحون يعلمون تماما أنهم إنما يقاتلون من أجل الباشا وأسرته. فإذا احتكمنا  إلى الدفاتر لم تجر أي محاولة ل (( بيع)) المعارك مع السلطان إلى الرجال باعتبارها ضرورة للدفاع عن (( الوطن)) أو مهمة للدفاع عن (( العقيدة))/  أو حتى لأنها تعزز فخرهم وكرامتهم.

ومع ذلك فقد ساهم الجيش بالفعل بغير قصد في صعود الوطنية المصرية بإيجاد خبرة متجانسة شارك في عشرات الآلاف من المصريين على مدى مدة تتجاوز العشرين عاما، زرعت فيهم الشعور بكراهية العثمانيين، وساهمت بذلك في تشكيل ((تخيلهم)) الجماعي عن الأمة، إن هذا الخلق لل((آخر)) الذي تنجح الحروب فيه بوضوح لم يتحقق في جيش محمد علي عن طريق توجيه عواطف الرجال إلى معادة جيش المتمردين اليونانيين، أو العصاة الوهابيين، ناهيك عن جيش السلطان العثماني، ولكن بحفز العداء لضباطهم هم المتحدثين بالتركية، وفي نهاية المطاف أتى هذا الشعور بالعداء (( للعثماني(( بثماره بعد ذلك بجيلين أو ثلاثة، حين انفجر القادة المحبطون لهؤلاء الجنود- الفلاحين من الضباط المتوسطي الرتب المتحدثين بالعربية في تمرد علني، ومعهم أعضاء ساخطون آخرون من المجتمع المصري، على الهيمنة التركية –الشركسية. 

كل رجال الباشا 
تأليف : خالد فهمي 
ترجمة شريف يونس

 

من هذه الناحية  يكمن الفارق الأساسي بين جيش الباشا وجيش نابليون في أن الأول قد نشأ قبل الثورة البرجوازية بينما تشكل الآخر بعدها إن هذا الفارق هو الذي يفسر واقع أن الجنود جين كانوا يحاربون من أجل (( مصر)) في جيش محمد علي كانوا يسيرون تحت رايات نقش عليها اسم الباشا، بينما كان الجنود الفرنسيون حين كانوا يحاربون أساسا حروب نابليون، لا حروب الثورة كانوا يقاتلون تحت رايات الثورة المثلثة الألوان. (( ربما سعى الآلاف من الشباب الفرنسيين لتجنب الخدمة تحت أعلام الجيش، ولكن طالما كانت الرايات مثلثة الألوان وطالما ظلت تعلن الحرية والمساواة والإخاء، كانوا أولئك الذين ظلوا مهتمين يستطيعون أن يلتمسوا لأنفسهم العزاء بالإيمان بأن الثورة ما زالت حية. ولكن هذا الإدعاء بخوض حرب وطنية لم تجر وحتى محاولة للتظاهر به كعزاء عن إرسال آلاف مؤلفة من الرجال المصريين إلى حتفهم من أجل محمد علي وأسرته.

ومع ذلك، ربما يقال إن جيش محمد علي كان وسيلة للترويج لفكرة الوطنية المصرية لو عن غير قصد. وقد حدث ذلك بالفعل. ولكن ليس لأن الباشا أو أيا من كبار قادته العسكريين اعتبروا حروبهم المختلفة ((وطنية)) فكما بينا من قبل ، كان الجانب الأّسري لهذه المواجهات العسكرية المتتباعة واضحا لكل ذي عينيين، ولم يكن إبراهيم بالرغم من كثرة الاستشهاد بعواطفه (( المصرية)) يشك في ذلك بأي درجة. وفي ذات الوقت كان الجنود- الفلاحون يعلمون تماما أنهم إنما يقاتلون من أجل الباشا وأسرته. فإذا احتكمنا  إلى الدفاتر لم تجر أي محاولة ل (( بيع)) المعارك مع السلطان إلى الرجال باعتبارها ضرورة للدفاع عن (( الوطن)) أو مهمة للدفاع عن (( العقيدة))/  أو حتى لأنها تعزز فخرهم وكرامتهم.


ومع ذلك فقد ساهم الجيش بالفعل بغير قصد في صعود الوطنية المصرية بإيجاد خبرة متجانسة شارك في عشرات الآلاف من المصريين على مدى مدة تتجاوز العشرين عاما، زرعت فيهم الشعور بكراهية العثمانيين، وساهمت بذلك في تشكيل ((تخيلهم)) الجماعي عن الأمة، إن هذا الخلق لل((آخر)) الذي تنجح الحروب فيه بوضوح لم يتحقق في جيش محمد علي عن طريق توجيه عواطف الرجال إلى معادة جيش المتمردين اليونانيين، أو العصاة الوهابيين، ناهيك عن جيش السلطان العثماني، ولكن بحفز العداء لضباطهم هم المتحدثين بالتركية، وفي نهاية المطاف أتى هذا الشعور بالعداء (( للعثماني(( بثماره بعد ذلك بجيلين أو ثلاثة، حين انفجر القادة المحبطون لهؤلاء الجنود- الفلاحين من الضباط المتوسطي الرتب المتحدثين بالعربية في تمرد علني، ومعهم أعضاء ساخطون آخرون من المجتمع المصري، على الهيمنة التركية –الشركسية.

كل رجال الباشا

تأليف : خالد فهمي

ترجمة شريف يونس


كل رجال الباشا

كذلك يتضح من الاقتصار على منع المومسات من ممارسة حرفتهن في المدن الكبرى وحول المعسكرات فحسب أنهن كن يعتبرن خطرا على الانضباط والصحة أكثر من الأخلاق والسلوك الحميد. وحين زار فلوبير مصر بين عامي 1849 و 1850 عرف أنه ليس من السهل العثور على مومسات في القاهرة وأنهن قد انتقلن إلى الصعيد وأن ((بيوت الدعارة الجيدة لم تعد موجودة في القاهرة)) . لقد كان فرض هذا الحظر على الدعارة في القاهرة يرجع ‘إلى حد كبير إلى الخوف من تأثيره على صحة الجنود وانضباطهم فإذا كان الباشا متساهلا، ربما ، في السماح للجنود باحضار زوجاتهم ليعشن معهم في سوريا فإنه لم يقدم أية تنازلات بشأن السماح لهم بالتماس خدمات مومسات. وينطبق هذا الحظر بالمثل على الضباط الأوروبيين ((أيا كانوا)) وعلى الضباط المتحدثين بالتركية.

ومن ناحية أخرى وبعيدا عن صحة الجنود والضباط، يرجع منع المومسات من التواجد في المناطق المجاورة للمعسكرات والثكنات إلى أن الكثيرات منهن كن يجلبن خمورا، بكل ما يستتبعه ذلك من أخطار، من حيث التأثير على انضباط القوات والنظام العام. فمثلا حين عوقب العربجي درويش والبلطجي  (( العامل بآلاي الهندسة العسكرية)) عثمان بخمس وسبعين ومائة وخمسين جلدة بالكرباج على الترتيب. كانت العقوبة ترجع إلى الإضطرابات التي تسببا فيها بعد السكر أكثر مما ترجع إلى القبض عليهما في بيت للدعارة. وترجع حالات عديدة للسلوك غير المنضبط من جانب الجنود في سوريا إلى سكرهم في الحانات وخروجهم إلى الشارع(( يسيئون للكبار والصغار والمسيحيين بلا سبب))

كل رجال الباشا

تأليف خالد فهمي

ترجمة شريف يونس